العز بن عبد السلام
200
تفسير العز بن عبد السلام
محمد واللّه إني لأعز من مشى بين جبليها فرد اللّه تعالى عليه قوله . إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ [ الدخان : 51 ] . « مَقامٍ أَمِينٍ » من الشيطان والأحزان ، أو من العذاب ، أو من الموت . يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ [ الدخان : 53 ] . « سُندُسٍ » الحرير الرقيق والإستبرق : الديباج الغليظ ، أو السندس يعمل بسوس العراق وهو أفخر الرقم والإستبرق الديباج سمي إستبرقا لبريقه ، أو السندس ما يلبسونه ، والإستبرق ما يفترشونه . « مُتَقابِلِينَ » بالمحبة لا متدابرين بالبغضة ، أو متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم إلى قفا بعضه . فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ الدخان : 58 ] . « يَسَّرْناهُ » جعلناه . « بِلِسانِكَ » عربيا ، أو أطلقنا به لسانك بتيسير . فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ [ الدخان : 59 ] . « فَارْتَقِبْ » فانتظر ما وعدتك من النصر إنهم منتظرون لك الموت ، أو انتظر ما وعدتك من الثواب إنهم كالمنتظرين ما وعدتهم من العقاب . سورة الجاثية « 1 » تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ الجاثية : 2 ] . « تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ » أضافه إليه تعظيما لشأنه ، أو افتتح بأنه كتاب منه كما يفتتح الكاتب كتابه بذكر اسمه والوجهان يجريان في أمثال هذه . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الجاثية : 5 ] . « وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ » بنقل الشمال جنوبا والجنوب شمالا ، أو إرسالها حيث شاء ، أو
--> ( 1 ) سميت سورة الجاثية للأهوال التي يلقاها الناس يوم الحساب ، حيث تجثوا الخلائق من الفزع على الركب في انتظار الحساب ، ويغشى الناس من الأهوال ما لا يخطر على البال وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وحقا إنه ليوم رهيب يشيب له الولدان ، وهي سورة مكية ما عدا الآية ( 14 ) فمدنية ، وقد نزلت بعد سورة الدخان ، وقد تناولت السورة العقيدة الإسلامية في إطارها الواسع الإيمان باللّه تعالى ووحدانيته ، والإيمان بالقرآن ونبوة محمد والإيمان بالآخرة والبعث والجزاء ويكاد يكون المحور الذي تدور حوله السورة الكريمة هو إقامة الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين .